جوى للانتاج الفني
الرئيسيةالمكتبةهيتشكوك / تروفو .. انتصار التكنيك على المضمون

هيتشكوك / تروفو .. انتصار التكنيك على المضمون

فراس محمد

المخرج الإنجليزي ألفريد هيتشكوك كان من العلامات الفارقة في هوليوود,
لكنه لم ينل هذه المكانة بسهولة, إذ مضت عدة عقود قبل أن يخضع لمرحلة إعادة اكتشاف
.

مُخرج (النافذة الخلفية) كان يمارس سحره في الحديقة الخلفية لهوليود، بمعنى العمل ضمن إطار الفيلم البوليسي / التشويقي،
وهو ما كان يُعدّ على الصعيد النقدي في أمريكا (سينما نوع ثاني) كونها سينما سائدة في ظل انتصار مخرجين،
مثل جون فورد وهوارد هوكس وجون هيوستن وفيكتور فلمينغ وآخرين في تلك المرحلة، للمضمون الأدبي لأفلامهم رغم سوية التكنيك العالية فيها
.

تزامنت مرحلة إعادة اكتشاف هيتشكوك، الذي لم يحظ في تاريخه بجائزة أوسكار (باستثناء أوسكار فخري في سبعينات القرن الماضي), مع صعود الموجة الفرنسية الجديدة في أواخر الخمسينات مع مخرجين أمثال فرانسوا تروفو، وجان لوك غودار، وَجاك ريفيت، وَكلود شابرول وآخرين.

كان فرانسوا تروفو، المخرج الفرنسي ذو المرجعية النقدية (أحد نقاد مجلة دفاتر السينما التي مازالت تصدر ليومنا هذا)، قد قدّم أواخر الخمسينات وأوائل الستينات أفلاماً مثل (أربعمئة ضربة، اقتل عازف البيانو، جولي وجيم)، بينما هيتشكوك كان يملك في رصيده العديد من الكلاسيكيات بالمعنى التجاري (فيرتيغو، سايكو.. وغيرها)، وأجرى تروفو معه حوارا مطولاً امتد على عشرات الصفحات تم تحويلها لاحقا إلى كتاب حمل اسمَي المخرجين.

استند تروفو في حواره على الجانب الشخصي لهيتشكوك وأثره في صناعة أفلامه بالإضافة للمرور على التطور المتسارع في السينما، لكن تركيزه انصب على التكنيك في سينما هيتشكوك كونه وللوهلة الأولى يبدو عائما ومهمّشا للمضمون.

انطلق تروفو من اعتقاده بأن التكنيك في السينما هو الشعر، فالسيطرة على الأدوات والحالات وإيجاد حلول إخراجية والبحث في الشكل هو شعر، وهو الحالة المثلى في السينما.

ذهب الحوار، الذي فنّد مسيرة هيتشكوك فيلماً فيلماً بداية من المرحلة الإنجليزية وصولاً لانخراطه في هولييود،
إلى اعتبار أن الأهم عند هذا المخرج ليس ما يقال بل ما يكون مُضمراً تجاه الشخصيات وانتماءاتهم الطبقية والفكرية والدينية،
فعلى سبيل المثال في فيلمه “الدرجة 39” عند دخول بطل هيتشكوك لمزرعة المُتشدد دينياً،
وبعد حدوث المشاجرة التي أسفرت عن تبادل لإطلاق النار،
نجد أن الإنجيل يحمي بطل هيتشكوك من رصاصة المُتشدد دينيا،
وهذا مثال من جملة أمثلة ناقشها تروفو مع هيتشكوك في هذا الحوار حول التضمين بدل التصريح.

حوارات طويلة حول تكوين الفيلم تم التركيز فيها من قبل تروفو على الحلول التقنية كونها نتاج تفكير عميق بإيصال مقولات الفيلم وكذلك أحاسيس شخصياته ومشاعرهم بطريقة غير مباشرة،
كاستخدام لقطة السلالم الشهيرة في فيلم “فيرتيغو” والتي سميت تيمناً باسم هيتشكوك بإحداث حركة عكسية بين الكاميرا وزوم العدسة،
إلى جانب المشهد الشهير في فيلم “سايكو” حين صعود المفتش على الدرج وطعنه وتدحرجه؛
كانت تلك الحلول الإخراجية تقود الحوار الدائر بين هيتشكوك وَتروفو باعتبارها ذات منطق سينمائي خاص وذات دلالات حوّلت المضمون من فكرة موجودة في النص إلى تركيبة بصريّة داخل نسيج الفيلم.

مسيرة هيتشكوك السينمائية، التي أثارت اهتمام نقاد “دفاتر السينما”,
كانت ممتلئة بتفاصيل إخراجية تمتلك طاقة وحساً عالياً بالسرد الحكائي وبالعلاقة ما بين الفيلم والمُشاهد.

ويمكن اعتبار هذه المسيرة كما لو كانت محاولة ناجحة لقراءة التلقي لدى الجمهور،
أو تعليم الجمهور السينمائي كيفية التلقي الناجحة للفيلم،
وهذا ما برز من خلال الجزئية التي تحدّث فيها تروفو ـ خلال حواره ـ
عن المونتاج والمونتاج الذهني في سينما هيتشكوك،
بداية من محاولة الأخير صناعة فيلم دون قطع مونتاجي واضح،
المحاولة التي وصفها هيتشكوك في ردّه بأنها جريئة لكنّه لن يكررها،
في الوقت الذي وجد فيها تروفو تطبيقاً عملياً لنظرية معلّمه اندريه بازان (عرّاب الموجة الفرنسية ومُنظَرها الأشهر) بأن المونتاج يبدأ في الفيلم وليس في غرفة المونتاج،
بمعنى ان المونتاج يبدأ داخل اللقطة المستمرة الواحدة،
وهو ما اصطلح على تسميته بالمونتاج الداخلي، وهذا ما دفع تروفو لتوصيف حركة الكاميرا في السينما بأنها مسألة أخلاق.

الجميل في هذا الحوار أنه ترك مساحة من امكانية الربط بين أفلام هيتشكوك وذهنية صُنعها،
ففي الوقت الذي حاول فيه الأخير إخفاء الاستخدام الصريح للمونتاج في فيلم “الحبل” (1948)،
إلا أنه في فيلم “سايكو” (1960)،
قدم مشهد الدوش الشهير والذي يمتد على نحو ثلاث دقائق من بدايته إلى نهايته,
المشهد الذي أعيد تصويره ما يقارب السبعين مرة احتوى على 52 لقطة بإيقاع صادم ومتسارع تمكّن من خلاله هيتشكوك من إحداث أكثر من مفاجأة داخل فيلمه،
أوّلها أن تكرار القطع بهذه الوتيرة سمح بالإيحاء أن بطلته عارية تماما في الدوش دون أن يظهر أي من أجزاء جسدها،
والثاني أنه تخلّص من بطلته وقتلها بعد نصف ساعة فقط من أحداث الفيلم وهذا ما لم يحصل في فيلم من هذا النوع سابقاً.. أسلوبية شبيهة بالتصعيد الموسيقي ليس فقط لخلق الرعب بمعناه النفسي وإنما لتصعيد الحالة الدرامية بشكلها البصري، ففي سينما هيتشكوك عليك كمشاهد أن تتابع مع المخرج كيف يمكن أن يجري الحدث بأدنى تفاصيله النفسية والدرامية، وهنا لا يكون المونتاج وسيلة للشرح بل للإضافة.

ولماذا يهتم مخرج مثل فرانسوا تروفو بسينما سائدة وُصفت بالتجارية كما سينما ألفريد هيتشكوك؟.

لهذا السؤال عدة أجوبة،
أوّلها أن هذا النمط من السينما في أميركا كان سائداً، لذلك تم تصنيفه كدرجة ثانية، بينما في أوروبا هو ليس كذلك. من ناحية أخرى، المخرج الذي يحاول إيجاد لغته السينمائية الخاصة لا يبحث فحسب عن التجريب والتخريب للقواعد السينمائية بل يبحث عن مرجعيات غير مكتشفة.

من الطبيعي بعد إصدار هذا الكتاب أن تختلف نظرة الأميركيين لألفريد هيتشكوك، بل بدأت الكتابات النقدية الأميركية تصدر بكثافة للحديث عن منجز هذا المخرج السينمائي.

ترجم الكتاب إلى العربية المترجمان عبد الله عويشق وحسن عودة، ضمن سلسلة “الفن السابع” التابعة لوزارة الثقافة السورية/ المؤسسة العامة للسينما، في تسعينات القرن الماضي.

ولا بد من الإشارة إلى أن حوار من هذا النوع تكرّر مرة أخرى في العالم العربي، حين قام الناقد المصري هاشم نحاس بتحقيق حوار مطوّل مع المخرج المصري صلاح أبو سيف.

في النهاية، إعادة الاكتشاف هي خاصية تتميز بها السينما كغيرها من الفنون، وإعادة اكتشاف هيتشكوك من خلال حوار (هيتشكوك / تروفو) يدفع للتفكير في قيمة هذا المنجز وأثره في تطور السينما وتحول هذه الذهنية الإخراجية لمرجع في سينما اليوم.

مقالات ذات صلة

- Advertisment -

الأكثر شهرة