جوى للانتاج الفني
الرئيسيةقضيةصالات السينما في دمشق.. The End

صالات السينما في دمشق.. The End

أليسا حسين

يستذكر أبو ياسر وزوجته امام أولادهما أيام الخطوبة في ستينيات القرن الماضي، حين ذهبا مرةً إلى سينما الفردوس، وحضرا فيلماً رومانسياً، وتبادلا نظرات الحب.

يتابع أبو ياسر متحسّراً على زمن جميل قد ولّى، فعند مروره مؤخراً قرب ساحة المحافظة وسط العاصمة دمشق، حيث تتركز معظم دور السينما القديمة، لم يجد سوى الصالات المغلقة والتي ما تزال جدرانها مترعة بلافتات الأفلام والعروض القديمة، شاهداً وحيداً على تلك الفترة.

دمشق التي احتضنت عشرات الصالات سابقاً في فترة كانت توصف بالذهبية، لا تجد فيها الآن سوى صالتين فقط في الخدمة، فجزء من هذه الصالات تعدلت صفته من دور للعرض إلى منشآت تقدّم خدمات أخرى، وجزء آخر متوقف بسبب أعمال الصيانة التي لا تنتهي، بينما تشكل مشكلات بين ورثة بعض الصالات الأخرى سبباً أدى لإيقافها عن العمل.

سينما الكندي للأطفال فقط!

يقول «أبو محمود» المسؤول عن سينما الكندي بدمشق، إن رواد السينما قلائل الآن ومعظمهم من الأطفال، مع تخصيص العروض لهذه الفئة العمرية حالياً، لأن عروض الكبار قديمة، والحديث منها باهظ الثمن، ويعرض في سينما سيتي بمبالغ تصل لـ25 الف ليرة سورية وأكثر، في حين لا تتجاوز بطاقة الحضور في الكندي الـ 1500 ليرة، كما تحدد المؤسسة العامة للسينما.

«الجيل الجديد لم يربى على سينما متل الخلق و العالم» بهذه الكلمات وصف أبو محمود حال الشباب المهتم بالسينما، معتبراً أن غياب الصالات الضخمة القديمة وعروضها أسهم في تغير اهتماماتهم السينمائية، وأشار إلى وجود غايات «غير اخلاقية» من دخول السينما بالنسبة للبعض، وقد اعتاد هو أن يواجههم بالقول «الله معكن».

علي-عنيز
علي-عنيز

العقوبات .. الفيلم الأميركي الطويل

يذهب رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون، علي عنيز، بعيداً في تداعيات غياب دور السينما إلى التأثير على الحراك السينمائي وإنتاج الأعمال، فالمنتج يحتاج منابر للعرض وفق قوله.

عن سبب اللجوء للمسارح بدلاً عن تأهيل صالات السينما، يقول عنيز: «لنكن منطقيين، لا توجد لدينا دور سينما للعرض، وبالتالي يضطر البعض للجوء إلى المراكز الثقافية، وهذا ما طلبناه من وزيرة الثقافة، تحويل عدد من هذه المراكز المنتشرة بدمشق، والتي تتبع للإدارة المحلية، وتحويلها لدور سينما، وهذا المقترح جاء بهدف إنعاش واقع السينما».

لم تفلت السينما من العقوبات التي تعانيها البلاد، يتابع رئيس لجنة صناعة السينما، فبعض الشركات العالمية المنتجة تتمنع عن عرض نتاجاتها السينمائية في سوريا، وهذا أدى لتراجع القطاع بشكل إضافي، لتقابله بعض الإجراءات الداخلية الجيدة، مثل إلزام أي منشأة تجارية حديثة بإدراج صالة سينما ضمن البناء.

رغم قسوة الظرف الاقتصادي المعيشي يعتبر عنيز أن الناس ما زالت ذواقة للفن وهذا يدفع الجهات المعنية لتقديم تسهيلات اكبر لعودة صالات السينما عبر دعم مستثمريها أو ورثتها، متمنياً أن تعود السينما كطقس من طقوس العائلة، ومطالباً وزارة التربية بإدراج مادة تعليمية تثقيفية متعلقة بالسينما ضمن منهجها.

«بيت السينما» تظاهرة بمرتبة محاولة

منذ 3 سنوات أطلقت المؤسسة العامة للسينما تظاهرة «بيت السينما» في محاولة منها لمد جسر بين السينما والمتلقي السوري عبر عرض فيلم بشكل نصف شهري، وعدد من الأفلام القصيرة السورية، ويعقب العرض نقاش سواء بين الحضور، أو بين الحضور ومخرج الفيلم.

يقول المشرف على هذه التظاهرة، المخرج الشاب فراس محمد، إن «غاية التظاهرة تحققت بنسبة كبيرة، فالحضور كان يزداد في كل مرة ضمن قاعات شبه ممتلئة»، لافتاً إلى تحقيق غاية أخرى وهي تعريف الجمهور السوري على نوع محدد من الأفلام غير التجارية، تلك التي تعرض في المهرجانات العالمية وتحصد جوائز متعددة لأصحابها من جنسيات مختلفة في محاولة لرفع السوية الفنية.

يؤكد محمد أن واقع صالات السينما رديء، فهناك صالة سينما وحيدة قادرة على عرض أفلام بنوعية وجودة عالية وهي «سينما سيتي»، بينما لا تملك باقي القاعات النادرة المعدات اللازمة، سواء على صعيد الصوت أو الصورة للعرض بالجودة المطلوبة.

فراس-محمد
فراس-محمد

الصالة الوحيدة ليست للجميع

تستهجن ميار مهنا، الصحفية والطالبة في المعهد العالي للسينما، اقتصار إمكانية مشاهدة الإنتاجات السينمائية على النوادي الثقافية البسيطة، والتي لا تأخذ طابعاً تجارياً، ولها حرية انتقاء العروض، في حين أن صالة السينما المجهزة الوحيدة في العاصمة وهي «سينما سيتي» تتجاوز قيمة تذكرة حضور فيلم ضمنها الـ 25 ألف ليرة سورية، ناهيك عن نوع الأفلام المعروضة، والتي يأتي معظمها من نتاجات أمريكية، وقد لا ترضي الأذواق كافة.

لكن تجهيز صالة سينما سيتي وفقاً لـ مهنا، يغري الشباب المهتم بالحضور، ويمكنه القول حينها «عن جد حضرنا فيلم سينما»، بإشارة إلى الظروف الفنية واللوجستية الجيدة ضمن الصالة والتي ندفع مقابلاً كبيراً لها لا يتناسب مع الظروف المعيشية الحالية في البلاد.

شددت الصحفية ميار على ضرورة عودة الصالات المملوكة للدولة للعمل من جديد، معتبرة أن هذا سيتيح فرصة لمشاهدة أفلام عربية وأوروبية لن نتمكن من مشاهدتها سوى عبر صالات السينما الموجودة في سوريا، وهذا من شأنه أن يدفع عجلة السينما في البلاد للأمام بالتزامن مع افتتاح المعهد العالي للسينما، ووجود أجيال جديدة مهتمة بالسينما، بحاجة لعروض سينمائية دورية، وبحاجة أيضاً لظروف «حضور فيلم سينما» كاملة، بغية الابتعاد عن الأعمال السينمائية المقرصنة عبر الإنترنت والتي يُفقدنا حضورها بهذه الطريقة النكهة الخاصة.

أما بعد..

أهم دور السينما السورية، لم تعد موجودة الآن، توقفت عن العمل بعد أن كانت تضج بالرواد والأفلام الحديثة، وباتت اليوم مجرد أبنية مهجورة، أو أساساً لـ»مشاريع أكثر تطوراً”.

هناك من يقول إن التطور التكنولوجي هو السبب، وإن شاشة «الموبايل» الصغيرة، سلبت من الشاشة الكبيرة روادها، قد يكون هذا أحد أسباب التراجع، لكن لماذا إذاً لم تتأثر دور السينما العالمية بهذا الأمر كما تأثرت بلادنا؟

مع كل هذا، يمكن القول إن السينما في البلاد تشهد محاولات هنا وهناك، إلا أنه لا يمكن إنكار وجود تراجع كبير، ليس على المستوى اللوجستي فحسب بل على مستوى الصناعة وإنتاج الأعمال.

والمشهد السينمائي السوري لا يخلو من طموحات المبدعين وأصحاب المشاريع، المتمثلة بنشاطات خاصة، حضرت ونجحت وشكلت حضوراً مهماً، حاصدةً جوائز عديدة في الخارج.

الوضع المالي المأزوم في سوريا أرخى بظلاله على الشأن السينمائي حتماً، وتعتبر الحكومة السورية اليوم، بأجهزتها المختلفة المعنية بالمشهد الفني الثقافي في البلاد، أن هناك أولويات متعلقة بتداعيات الحرب الاقتصادية، وأنها لا تمتلك رفاهية التفكير بالسينما وبناء وتأهيل الصالات وتطوير النتاج السينمائي..

إذاً فالسينما السورية، بطموحات صناعها وشغف جمهورها، تبقى مؤجلة حتى إشعار آخر!.

مقالات ذات صلة

- Advertisment -

الأكثر شهرة