جوى للانتاج الفني
الرئيسيةنقد تلفزيوني"إيزابيل".. عندما يكون المرء شيوعياً ومؤمناً بالغيبيات

“إيزابيل”.. عندما يكون المرء شيوعياً ومؤمناً بالغيبيات

ديانا جبور

ليس بالضرورة أن يكون الشيوعي المؤمن بالغيبيات والماورائيات متناقضا مع نفسه، أو غير متصالح معها،
إن كان هذا الشيوعي لاتينيا..
إذ يبدو أن كل التصنيفات والمدارس وكذا الأيديولوجيات،
تتحرر من صرامتها وقوالبها ما أن تعبر الأجواء اللاتينية..
وإلا كيف تصبح الواقعية، وقد عرفناها صارمة بأمانتها للوقائع، واقعية سحرية؟!

“إيزابيل” مسلسل قصير من ثلاث حلقات/ أفلام يحكي أهم محطات الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي في رحلة حياتية وإبداعية تبدأ من الطفولة،
إلى اكتشاف الذات فتحقيق نجاحات بلغت مئات الجوائز ومئات ملايين النسخ المباعة من رواياتها وعشرات الأعمال الدرامية المقتبسة عن أعمالها،
وصولاً إلى مسلسل عن جانب من حياة الكاتبة..
فرغم أن العمل ينتمي إلى نوع السيرة الذاتية لكنه لا يلتزم توثيق كل المحطات في حياة ايزابيل الليندي،
بل يكتفي بمطالع طفولتها وهي السنوات التي طبعت شخصيتها وإبداعها، ليمرر هذه المحطات المفصلية بالتوازي مع مرحلة شبابها بعد أن تزوجت وأنجبت،
وصولاً إلى ما اعتبره المسلسل ذروة مجدها ولحظة إدراكها لعمق عواطفها وجوهر خياراتها،
عندما اختارت أن تتنسك إلى جانب ابنتها المريضة..
رحلة حج وتطهر انتهت بتدوين كتاب جديد حاز على جماهيرية غير مسبوقة وحمل اسم ابنتها “باولا”.

ايزابيل
ايزابيل

ثمن الحرية

عبقرية، أو حتى عظمة، الشخصية التي يتناولها عمل درامي لا تقدم المبرر الوحيد لصناعته، فلابد أن تكون هذه الشخصية نافذة تتيح الإطلالة على مناخ عام أحاط بها، فكان حاضنة تحريض إبداعي، حتى لو أخذت تلك الحاضنة شكل الصراع.

ربما يمكن أن نطرح السؤال بشكل مغاير.

هل يمكن لمجتمعات راكدة أن تقدم شخصيات استثنائية،
وهي فوق ذلك على انسجام وتناغم مع ثوابت مجتمعها الساكنة؟

بفخ الرتابة الكسولة يورط العمل متابعيه.. فنحن أمام زوجة وأم تلهث لأداء وظائفها ومهامها الأسرية،
ليس فقط على حساب طموحاتها، بل وعلى حساب صحتها وأعصابها،
تماما كما تردد الأمهات التسجيل المكرر لتضحياتهن في أية سردية تختصر حياتهن الأسرية.

لكننا لن نلبث أن نخرج من أسر جدران المطبخ وغرفة المعيشة عندما تتلقى إيزابيل عرضا من صديقتها للكتابة في مجلة نسائية رائدة.. هي طاقة صغيرة تنفتح بالاتجاهين،
فرياح التجديد لن تلبث أن تهب على حياة كاتبة المستقبل، كما أنها ستتيح لنا الإطلالة على تفاصيل المجتمع التشيلي الذي يمور بالتناقضات والصراعات.

 تبدأ الليندي فعل الكتابة، فتبدأ ــ ولو أن الكتابة صحافية في هذه المرحلة ــ بتذوق متعة هذا الفعل/ الكتابة،
والانتشاء بمدى قدرتها على إحداث أثر.. نافذة صغيرة للتغيير،
لكنها كانت كفيلة بأن تسمح لنسمات التجديد أن تكنس غباراً تراكم على ذكريات الطفولة وستكون الشرارة في إبداعها الروائي اللاحق..
فعندما تنهمك في عملها ويبدأ الإهمال يتسلل إلى علاقتها بابنتها سيمر شريط حياتها مع أمها،
كما لو أن قدرا واحدا يحكم علاقة الأمهات ببناتهن في هذه الأسرة.

القدرية بمسحة سحرية سنلقاها عندما تلتقي ايزابيل بعرافة تتنبأ لها بشهرة واسعة تأتيها بسبب طفلتها وتتوقع لبلادها بحرا من الدم لن تنجو منه إلا بالتأمل والكتابة.

بفضل عملها الصحفي سنطل على صراع تيارات محافظة ومتحررة، يمينية ويسارية..
لكن المؤكد أن حدة الصراع والاستقطاب كانت أقوى من نضوج الحاضنة المجتمعية، ما أحدث ثغرة تسلل منها العسكر، فوأدوا تجربة الديمقراطية الجنينية في التشيلي.

من ضحايا النظام الديكتاتوري ايزابيل وأسرتها، ليس فقط لصلة القرابة التي تربطهم بالرئيس السابق سيلفادور الليندي، بل لأنهم كانوا منحازين إلى التحرر والديمقراطية،
وضمنا حقوق النساء، الأمر الذي لا تستسيغه عاده المؤسسات الهرمية الصارمة، وخاصة العسكرية منها،
فكان أن أغلقت السطات الجديدة المجلة التحررية الساخرة،
لتجد إيزابيل نفسها وقد انخرطت في المقاومة،
ولاحقا في مواجهة خاسرة مع القتلة دفعت بها إلى الهروب من بلادها للنجاة بنفسها وبأسرتها..
ثمن غال لكنه يليق بالحرية.  

بيت الأشباح.. لعنة المنافي

لن تترك المنافي اللاجئين والناجين كما هم عندما كانوا على أرض الوطن.
لن يحافظ رفاق الدرب السابق على لحمتهم ومبادئهم.. ستصبح لقمة العيش بحد ذاتها ميدان النضال والبقاء على قيد الحضيض لا تحته هي البطولة المنشودة.. وبالتالي لن نستغرب أن تتعرض ايزابيل لعملية احتيال من رفيق سابق (زوجها في الجزء الثالث سيتعرض للأمر نفسه).. ما يعمق شعورها بالعبث ويدفعها لأن تعيش اللحظة فتلهث وراء حب جديد، ضاربة بعرض الحائط نصائح وتحذيرات أمها، وفد عاشتا من قبل تجربة العائلة المشتتة..

لاشك أن العيش في محيط دون جذور وأجداد وأناس نعرفهم ويعرفوننا، سيتيح للأنا المتفلتة أن تتوحش وتتسيد على كل الاعتبارات الأخرى والتي ستكتشف ايزابيل، متأخرة، أنها كانت تستحق التضحية بملذات عابرة، ولاسيما العلاقة مع ابنتها وأمها.

منفى الليندي كان في فنزويلا التي كانت تعوم في السبعينيات على بحر من عوائد خرافية للنفط، ما أدى إلى إفراط وإسراف سفيه جعل من فنزويلا البلد الأول على مستوى العالم في استهلاك الويسكي.. ظروف تضافرت لانفجار الغرائزية والسوقية التي وسمت إعلامه وفنونه وعلاقاته عامة، وطردت أصحاب الرسالة من أمثال الليندي.. فلم يكن من وسيلة لإثبات جدارة الحياة أمام طوفانها المدمر إلا بمزيد من الإقبال النهم على مختلف الملذات.. ثنائية أشارت إليها الكاتبة لاحقا في رواية “الحب والظلال”.

فرت الليندي من التزاماتها ولحقت بعشيقها إلى اسبانيا رغم تحذيرات والدتها، ومن قبل جدها الذي كان ينهيها عن التحديق مطولا في المرايا لأنها تفتح بابا للشياطين.. فإذا بنا نكتشف الترجمة الحرفية للاستعارة الأدبية، بمعنى أن الاكتفاء بالنظر إلى ذواتنا سيجعلنا أسيري رغباتنا اللحظوية.

لكن إذا كان يقال إن بعد الذروة والكمال نقصاناً، فإن نهوضا لابد أنه متحقق إن وصل المرء إلى قاع سحيق.. تنتشل ايزابيل الليندي من الحضيض الذي وصلت إليه وتعود إلى أسرتها في كاراكاس لتتلقى خبرا محزنا، فجدها، زوادة الحكايات، يحتضر وهي لا تستطيع العودة إلى تشيلي، فتقرر أن تخط له رسالة تطول وتطول إلى أن تنتهي الرسالة كرواية أطبقت شهرتها الآفاق: “بيت الأشباح”.

شياطبن المرايا

هو عنوان الجزء الثالث من السلسلة القصيرة، لكن الشياطين هنا تصبح إبداعية، فالنظر لم يعد يتم إلى الصورة والمنعكس الخارجي، بل إلى دواخل الشخصية بدءاً من لحظة اكتشاف الليندي، وقد اصبحت روائية مشهورة، للعزلة.

والمرء كما تقول مارجريت دوراس، لا يجد العزلة، بل يوجدها.. فالعزلة وحيدة وعلى الكاتب أن يبحث عنها ويلقاها.. وهكذا تقرر الليندي الانفصال والعيش وحيدة دون أن تحرم نفسها من العشاق العابرين إلى أن تجد الحب الحقيقي مع زوجها الثاني.

لكن القدر سيضع الليندي أمام اختبار قاس، عندما تقع ابنتها فريسة مرض جيني يرمي بها في غيبوبة يجمع الأطباء أن لا مخرج منها سوى الموت، إلا أن الأم، مدفوعة بإدراكها لما بات جوهريا (أي الحب ولاسيما لأفراد أسرتها)، إضافة إلى نبوءة العرافة بأن ابنتها ستكون سببا في انفجار شهرتها على مستوى العالم، تقرر تحدي العلم والإبقاء على ابنتها جثة تتنفس، إلى أن ينتهي الأمر بوفاة باولا فلا تجد، مرة أخرى، وسيلة للخروج من سرداب الحزن والحداد سوى نصيحة العرافة نفسها التي أوصتها قبل سنوات أن تلجأ للكتابة سبيلا للنجاة.

هل تعد هذه الإشارات تفاهات محضة، أم أنها شهب روحانية لا يلتقطها المنغمسون في مباذل الحياة، وبفضلها يسترجع الكون جزءا من اتساقه وتوازنه؟

“إيزابيل” نموذج للأعمال السينمائية التي اختارت التلفزيون وسيلة عرض.. فهناك التكثيف، تداخل الأزمنة، الحوارات البليغة وإقصاء الثرثرة، الهويات اللونية الأمينة لكل مرحلة، الأزياء والأكسسوارات حتى تخال نفسك في متحف لحقبة تمتد أربعين عاما، صياغة الضوء لكل مشهد بما يتناسب ليس فقط مع مرحلته بل ومع شحنته العاطفية، وهناك الأداء التمثيلي العميق والمقتصد دون مبالغات الحالة الشعبوية للمسلسلات الطويلة..

العمل ناطق بالإسبانية ومن إنتاج HBO. سيناريو جوناثان كوتاكوفيتش، وإخراج رودريغو باسياس، أما دور البطولة فقامت به دانيلا راميريز.

مقالات ذات صلة

- Advertisment -

الأكثر شهرة